الشريف المرتضى
174
الذخيرة في علم الكلام
وهذا أيضا ضعيف ، لأن لقائل « 1 » أن يقول : إن اللّه تعالى يحدث كتابة تتضمن ما رتب في الخاطر من التخويف بحيث لا يشاهد ابتداء حدوثها ، فيقتضي ذلك نقض العادة . ثم يشاهد تلك الكتابة المكلفين ويقرأها فيتنبه « 2 » بها على النظر ويحصل له الخوف المبتغى في وجوب النظر . والصحيح على هذا أن الخاطر لا يمنع أن يكون كتابة على الوجه الذي حددناه وحصرناه ، فلم يبق في قسمته أفعال الجوارح إلا الكلام . فأما ما يدل على أن الخاطر لا يكون اعتقادا : أنه لا يخلو من أن يكون من فعل اللّه تعالى فيه أو من فعل المكلّف . ولا يجوز أن يكون من فعل المكلف ، لأن القادر بقدره لا يصحّ أن يفعل في قلبه اعتقادا ، ولا يجوز أن يكون من فعل اللّه تعالى ، لأنه إن كان معتقده على ما ليس به كان جهلا قبيحا ، واللّه تعالى لا يفعل قبيحا . وإن كان معتقده على ما هو به فيجب أن يكون علما ، لأنه من فعل العالم بمعتقده ، ومعلوم أن حال من يرد عليه الخاطر ليست حال القاطع العالم ، بل صفة المجوّز الظان . ولا يجوز أن يكون من فعل المكلّف نفسه ، لأن ما يبتدئه العاقل من الاعتقادات لا علم « 3 » لها لأنها تجري مجرى التبخيت والتخمين ، ولا تأثير لمثل ذلك . وقد قيل : لو كان اعتقادا من فعله تعالى لكان علما ضروريا على ما ذكرناه ، وليس يخلو من أن يتعلق بلحوق العقاب بالمعاصي قطعا ، أو يتعلق بأنه لا يؤمن من ذلك . والقسم الأول باطل ، لأن القطع على أن العقاب يلحقه لا محالة فرع على المعرفة باللّه تعالى وصفاته وأحواله ، والمكلف في ابتداء تكليفه لا يعرف اللّه تعالى ، فكيف يعلم أنه يعاقب العصاة . وان كان علما بأنه لا يؤمن نزول العقاب بمن يستحقه ، فهذا علم من كون في عقل كل
--> ( 1 ) في النسختين « القائل » . ( 2 ) في ه « وفيتنبه » . ( 3 ) في النسختين « لا حلم » .